شعار الهئية
  • EN
+A
A
A-
high-contrast-logoتباين عالي
voice-overالأوامر الصوتية

الذكاء الاصطناعي بين مستقبل المطورين وحقوق المؤلفين (الجزء الأول)

تاريخ النشر : 29 سبتمبر 2022

على مدى عقود كافح الباحثون في مجال الذكاء الاصطناعي في برمجة أجهزة الحاسب الآلي لتكون ذكية، حتى أدركوا يومًا أنه بدلًا من برمجتها لتكون ذكية، من الأسهل بكثير برمجتها لتتعلَّم بنفسها كيف تكون ذكية. فتقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق في مجال الذكاء الاصطناعي قد أدت إلى تطورات كبيرة في البرمجة. وهذا ما نلاحظه في وقتنا الحالي، حيث إن الآلة أصبحت بنفسها تنتج أعمالًا إبداعية كالرسومات، والمعزوفات، والمقالات الإخبارية. ومن الأمثلة على ذلك ما قام به باحثو الذكاء الاصطناعي في شركة "جوجل" عام 2016 من استخدام ونسخ 11,038 رواية دون إذن أصحابها لتدريب ذكاء اصطناعي يدعى بـ "مساعد جوجل" (Google Assistant) لإنتاج مجموعة من الجمل المترابطة التي تشكل مجموعة من الروايات بشكل احترافي. وعلى المستوى الوطني، قام فريق سعودي يدعى "روبو هجر" بتطوير ذكاء اصطناعي يعزف على آلة البيانو عن طريق نسخ عدد كبير من معزوفات مشهورة بغرض التدريب. نلاحظ في هذه الأمثلة ضرورة نسخ كم هائل من المصنفات والبيانات في عقل الذكاء الاصطناعي لإنتاج هذه الأعمال الإبداعية. وقد تكون بعض تلك المصنفات أو جميعها محميّة بأنظمة حقوق المؤلف. وهذا الأمر يثير التساؤل التالي: هل استخدام هذه المصنفات لتدريب الذكاء الاصطناعي بدون إذن مالك الحق يعد انتهاكًا لحق المؤلف أم لا؟ 

طرح هذا التساؤل من قبل المنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو)، حيث نشرت استفتاء في عام 2019 حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية. وأسفر هذا الاستفتاء عن 264 إجابة من مختلف الدول والجهات ذات الاختصاص بالملكية الفكرية. وانقسم المستفتون في الردود على هذا الاستفتاء إلى فريقين: فرأى الفريق الأول (وكثيرٌ منهم من أصحاب ملكيات فكرية أو من ممثلي الجهات الحكومية) أن عمليات النسخ لتدريب الذكاء الاصطناعي انتهاكٌ لحقوق المؤلف. ولذلك يتطلب هذا الأمر أخذ الإذن من أصحاب الحقوق، أو الحصول على ترخيص بالاستخدام لإجراء عمليات التدريب. وكان الفريق الآخر في هذا الاستفتاء في أغلبه من مطوّري تقنيات الذكاء الاصطناعي وداعميهم. ويرى هذا الفريق أن النسخ لغرض التدريب هنا لا يعد انتهاكًا، ولا يتطلب الإذن من أصحاب المصنفات المنسوخة. كما يستند هذا الفريق عمومًا إلى سياسات الاستخدام العادل، والاستثناءات على النسخ في قوانين حقوق المؤلف لدعم موقفهم. ونرى أن كلا الفريقين نظر إلى مفهوم النسخ بما يدعم موقفه في اعتبار هذه الأعمال منتهكة أو غير منتهكة. وبالتالي، يجب فهم معنى النسخ بدايةً وفقًا لقوانين حقوق المؤلف حتى نرجِّح بين الآراء السابقة. 

وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى لديهم تصور عام عن مفهوم النسخ للمصنفات الأدبية، فإننا بحاجة إلى فهم النسخ في تطبيقاته الواقعية ليتسنى لنا تحليل إشكالية نسخ المصنفات لتدريب الذكاء الاصطناعي. فعرفت المادة الأولى من نظام حماية حقوق المؤلف "النسخ" بأنه: "إنتاج نسخة، أو أكثر من أحد المصنفات الأدبية، أو الفنية، أو العلمية على دعامة مادية، بما في ذلك أي تسجيل صوتي، أو بصري". وعلى المستوى الدولي، نجد مثلًا أن المادة الثانية من توجيه الاتحاد الأوروبي في عام 2001 حول حقوق المؤلف تعرف الاستنساخ على نطاق واسع جدًّا بأنه "النسخ المباشر، أو غير المباشر، أو المؤقت، أو الدائم لأعمال حقوق المؤلف كليًّا أو جزئيًّا بأي وسيلة وبأي شكل". فبالنظر إلى هذه التعريفات نجد أن نسخ العمل بأكمله أو جزء منه بأي شكل مادي يعد من النسخ الممنوع، بغض النظر عن الغرض من استخدامه. وبالتالي، فإن استخدام المصنفات لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي يشكل عملًا من أعمال الاستنساخ لأن التدريب يتطلب عمومًا نسخ كل أو جزء من أعمال حقوق المؤلف في مراحل مختلفة من عمليات التدريب. وعليه، تعد الأعمال التي يقوم بها المطورون لتدريب الذكاء الاصطناعي من خلال نسخ مصنَّفات محمية بحقوق المؤلف انتهاكًا من حيث الأصل. 

وأما الفريق الآخر في الاستفتاء المشار إليه أعلاه (الذي يرى أن عمليات النسخ في هذا السياق لا تعد انتهاكًا لحقوق المؤلف) فإنه يحتج بسياسات الاستخدام العادل واستثناءات النسخ في نظام حقوق المؤلف. ومن ضمن حججهم اللافتة للانتباه في هذا السياق تشبيههم عمليات النسخ الجائز قانونيًّا للمصنفات دون إذن مالك الحق من قبل الإنسان بذلك النسخ الحاصل من الذكاء الاصطناعي. فكما أنه يجوز قانونيًّا حفظ الإنسان للمصنفات المحمية في عقله وتأديتها سرًّا، فقياسًا على ذلك: من المفترض أن يجوز حفظ الذكاء الاصطناعي للمصنفات المحمية عند تدريبه وتطويره عليها. ولكن رد المكتب البريطاني للملكية الفكرية على هذه الحجة ببيان الفارق بين نسخ الانسان ونسخ الآلة. فالنسخ الذهني للإنسان لا ينطبق عليه تعريف النسخ، بخلاف ما يتم إجراؤه داخل عقل الذكاء الاصطناعي من نسخ بمفهومه الممنوع في نظام حقوق المؤلف. وعليه، فالقياس هنا مع الفارق. والقياس الصحيح هو قياس فعل الإنسان عندما ينسخ المصنفات عن طريق كتابتها على وسيط خارج عقله بنسخها في ذاكرة الذكاء الاصطناعي. وبهذا القياس يكون النسخ في عقل الآلة انتهاكًا كالنسخ على وسيط آخر.


واحتج هذا الفريق كذلك بأن استثناء النسخ للاستعمال "الشخصي" الجائز قانونيًّا يدعم موقفهم القانوني. فعندما يمتلك شخص نسخة أصلية من كتاب عن طريق شرائه وينسخه لغرض شخصي، كنسخه على جهاز الحاسب الآلي لتسهيل عملية القراءة، فهذا لا يعد انتهاكًا حسب قوانين حماية حقوق المؤلف.  ولكن من الصعب قياس ذلك على عمليات الذكاء الاصطناعي، لأن أسباب النسخ في الذكاء الاصطناعي مختلفة. فلا يتم النسخ لتدريب الذكاء الاصطناعي لغرض شخصي بحت، أو لغرض استعمال شخصي عن طريق وسيلة مختلفة تعود على الشخص ذاته، بل يتم لآلة أخرى تعطي مخرجات جديدة، وذلك يجعل هذه الممارسة بعيدة عن مفهوم النسخ الشخصي الجائز قانونيًّا. ولو افترضنا أن هذه الحجة ممكنة لواجهتنا مشكلة أخرى بالنظر في نظام حماية حقوق المؤلف السعودي، حيث نصت الفقرة الأولى من المادة الخامسة عشرة فيه على أنه يجوز: "نسخ المصنف للاستعمال الشخصي، عدا برمجيات الحاسب الآلي، والمصنفات السمعية، والسمعية البصرية". فنلاحظ أن المادة استثنت برمجيات الحاسب الآلي والمصنفات السمعية والسمعية البصرية من جواز نسخ المصنف للاستعمال الشخصي، مع أن هذه المصنفات ذات أهمية كبرى لتدريب الذكاء الاصطناعي. وأما بشأن المصنفات التي لم يشملها استثناء الاستعمال الشخصي، والتي تعد ذات أهمية لتدريب الذكاء الاصطناعي (كالمصنفات الأدبية التي تسهم في إنتاج مقالات أو روايات جديدة مثلًا) فإن الفائدة في استثنائها محدودة جدًّا، ولا تكفي لتلبية حاجة تدريب الذكاء الاصطناعي لعدد هائل من المصنفات الأصلية، حيث إن الاستفادة منها تتطلب الحصول عليها بطريقة مشروعة أولاً، ثم نسخها في أجهزة إلكترونية ليتمكن الذكاء الاصطناعي من قراءتها. وعليه، سيتطلب تدريب الذكاء الاصطناعي تكاليف باهظة، وذلك يقلص المصلحة في الأخذ بالاستثناء، ويجعل من طلب الإذن الخيار الأمثل ماديًا ومنطقيًّا لتدريب الذكاء الاصطناعي.

فيلاحظ إذن أن استثناءات النسخ بوضعها الحالي لا تدعم الموقف القانوني لمطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقد تكون عائقًا لعمليات تدريب الآلة. وعلى الرغم من أن استثناءات النسخ قد تحتمل تفسيرات أخرى، فإنها لا تتوافق مع حجج الفريق الثاني ولا تواكب التقنيات الحديثة والمتسارعة؛ لذلك نميل إلى ترجيح القول بأن تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي يتطلب الإذن في استخدام المصنفات المحمية بنظام حقوق المؤلف، والحصول على ترخيص على ذلك.
 

التصنيف : حق المؤلف
author الذكاء الاصطناعي بين مستقبل المطورين وحقوق المؤلفين (الجزء الأول)

التعليقات (0)