شعار الهئية
  • EN
+A
A
A-
high-contrast-logoتباين عالي
voice-overالأوامر الصوتية

الذكاء الاصطناعي بين مستقبل المطورين وحقوق المؤلفين (الجزء الثاني)

تاريخ النشر : 29 سبتمبر 2022

تناولنا في الجزء الأول من هذه المقالة تأثير مفهوم النسخ في قوانين حماية حق المؤلف على قانونيّة تدريب الذكاء الاصطناعي على نسخ البيانات للاستفادة بتحليلها للوصول إلى إبداعات تقنية. فاستعرضنا الخلاف في هذه المسألة والحجج المطروحة حولها، ورجحنا الرأي القائل بعدم جواز استخدام البيانات في الذكاء الاصطناعي دون الحصول على إذن من مالكي حق المؤلف فيها، على الرغم من أن اشتراط ذلك قد يؤثر سلبًا على تدريب الذكاء الاصطناعي وإنتاجاته. وعليه، فإذا اعتبرنا هذا الأمر انتهاكًا، فإن هناك سؤالًا يطرح نفسه، وهو: من المسؤول عن هذا الانتهاك؟ وعلى من يوجه ملاك حق المؤلف في هذه الحالة مطالباتهم؟ 

فمن ضمن الآراء التي تذكر أحيانًا في هذا السياق أن تقع مسؤولية انتهاكات حقوق المؤلف على الذكاء الاصطناعي نفسه. ومسألة توجيه التهمة إلى الذكاء الاصطناعي ومحاسبته قانونيًا حال وقوع مخالفات منه كهذه، جذبت اهتمام الباحثين مؤخرًا، سواء في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي عمومًا، أو في مجال علاقة تدريب الذكاء الاصطناعي وعلاقة ذلك بحقوق المؤلف خصوصًا. وبالرجوع إلى الدراسات والنقاشات حول مسؤولية انتهاكات الذكاء الاصطناعي لحقوق المؤلف، لا نجد حججًا قانونية واضحة لهذا الرأي، وخاصة في ظل عدم وجود قوانين تتبنى هذا التوجه بصراحة. ونرى أنه من غير الممكن أن تكون المسؤولية في مثل هذه الحالات على الذكاء الاصطناعي. وذلك لأسباب عدة، منها: تعذر تطبيق أهم عقوبات نظام حقوق المؤلف ولائحته التنفيذية على الذكاء الاصطناعي. فلو أردنا معاقبة الذكاء الاصطناعي على مخالفة وقع فيها، فلا يتصور على سبيل المثال فرض غرامة عليه أو إنذاره أو سجنه. وعلى الرغم من أن نظام حماية حقوق المؤلف السعودي ولائحته التنفيذية لم يستبعدا صراحة الذكاء الاصطناعي من المسؤولية، فإنه من الجلي أن المقصود في الأحكام النظامية الواردة ضد مخالفي حقوق المؤلف هم الأشخاص، ولا ينطبق على الذكاء الاصطناعي وصف الشخص. ونستأنس في ذلك بالقوانين المقارنة ذات العلاقة، حيث نجد مثًلا أن الفصل الثاني من قانون حقوق المؤلف البريطاني والمادة السابعة من توجيه الاتحاد الأوروبي في عام 2001 حول الملكية الفكرية يشيران إلى أنه يجب أن تقع المسؤولية القانونية على "الأشخاص" في حال الانتهاك على حقوق المؤلف. وفي القانون الأمريكي نجد أن الدليل الإرشادي لموظفي مكتب حقوق المؤلف الأمريكي يوجه المسؤولين في المكتب بتسجيل أعمال التأليف الأصيلة، "على أن يكون العمل من قبل إنسان". فلوجود أحكام قانونية واضحة باشتراط أن يكون المؤلف شخصًا أو إنسانًا، ولعدم وجود نصوص قانونية صريحة بجواز تحميل المسؤولية على الذكاء الاصطناعي، وعدم إمكانية ذلك واقعيًا، فسنستبعد إمكانية تحميل الذكاء الاصطناعي مسؤولية انتهاك حقوق المؤلف.

ولعل أشهر الآراء حول هذه المسألة هو أن مسؤولية انتهاكات حقوق المؤلف من الذكاء الصناعي تقع على مطوّر الذكاء الاصطناعي، وليس على الذكاء الاصطناعي نفسه. وتجدر بنا الإشارة هنا إلى الاستفتاء الذي قام به المكتب البريطاني للملكية الفكرية (UKIPO) المتعلق بأنظمة الذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية، والمشابه للاستفتاء الذي قامت به المنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو) الذي أشرنا إليه في الجزء الأول من هذا المقالة، حيث طرح التساؤل أعلاه فيما يخص المسؤولية القانونية حيال الانتهاك. وفي جواب المكتب البريطاني على هذا التساؤل، قام المكتب بتحميل المسؤولية القانونية على مطوّر الذكاء الاصطناعي، دون تفسير أو مبرر مقنع في نظرنا. ولذلك يجب فهم عمليات تدريب الذكاء الاصطناعي بدايةً، ومن ثم تقرير على من تقع المسؤولية القانونية حيال الانتهاك. في الواقع، تتضمن عمليات تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي عدة مشاركين، تكون مساهماتهم متداخلة أو مستقلة ومختلفة أيضًا بحسب الاختصاص، وذلك يعقد مهمة تخصيص المسؤولية. ففي البداية، يطور نظام الذكاء الاصطناعي بصفته برنامجًا يمكن أن يعتمد على تقنيات مختلفة مثل التعلم الآلي، والتعلم العميق. وفي هذه المرحلة يكون مبرمج الذكاء الاصطناعي بلا شك مسؤولًا عن الخوارزميات التي يقوم عليها تطوير نظام الذكاء الاصطناعي. 

ومع ذلك، عندما ينشئ مبرمجو الذكاء الاصطناعي مثل هذه الخوارزميات، فإنهم لا يعرفون الغرض النهائي من نظام الذكاء الاصطناعي، لأن الذكاء الاصطناعي نفسه هو القادر على تحديد خطوات البحث عن الأهداف. ولا يتم تعيين هذه الأهداف بواسطة المطورين البشر لأنظمة الذكاء الاصطناعي. وفي عملية التدريب تكون هناك مساهمة من موردي البيانات الذين يتمثل دورهم في توفير مجموعة أولية من البيانات التدريبية لنظام الذكاء الاصطناعي، ولكن من الممكن أيضًا لنظام الذكاء الاصطناعي استخدام البيانات الموجودة من الإنترنت، دون تدخل من موردي البيانات، ودون معرفة أي شخص بمصدر البيانات على وجه الخصوص. وبعد ذلك قد تشمل عملية تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي مدربين مختصين بردود الفعل الصادرة من الذكاء الاصطناعي، الذين يتمثل دورهم في الإشراف على عملية التعلم، وإجراء التصحيحات إذا لزم الأمر. 

ومن المعروف أنه يكون لنظام الذكاء الاصطناعي دائمًا مالك، سواء من الشركات أو الجامعات أو غيرها. ونظرًا إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي هي حاليًا عناصر ملكية -أي يمكن بيعها-، فقد يكون لها ملاك متعاقبون، كما يمكن أيضًا استئجار أنظمة الذكاء الاصطناعي من المالك. وفي هذه الحالة يختلف المستخدم (المشغل) عن مالكه. فنظرًا إلى تعدد المشاركين في عملية تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، واحتمالية عدم سيطرة مطوري هذه الأنظمة على تعديات الذكاء الاصطناعي، فمن غير الواضح تبرير وجهة نظر المكتب البريطاني بأنه يجب أن يتحمل مدرب الذكاء الاصطناعي المسؤولية عن الانتهاك.

فمن وجهة نظر خاصة يجب أن ينظر نظام حقوق المؤلف في الشخص الذي يتمتع بالمزايا من مخرجات الذكاء الاصطناعي، وينسب المسؤولية إلى الشخص جراء الانتهاك؛ لأنه قد يكون الشخص مختلفًا وفقًا لحالات التعدي، فقد يكون مستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي الذي يحدد مهامها، مثل ماذا يرسم، وماذا يؤلف، وفي حالات أخرى، قد يكون المالك الأول الذي يستثمر في تطويرها، أو المالك المستثمر في أنظمة الذكاء الاصطناعي على أمل أن يولد مخرجات قابلة للتسويق. وفي غياب الشخصية القانونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، من المنطقي ترشيح الكيان الأكثر كفاءة للسيطرة عليها باعتباره الكيان المسؤول عن انتهاك حقوق المؤلف أثناء عملية تدريب الذكاء الاصطناعي. ولو أردنا مقاربة ذلك إلى نظام حماية حق المؤلف السعودي، فيمكن النظر إلى الكيان الذي يستفيد ماديًا من هذا الانتهاك، حيث إن الغرض التجاري قد وقع حيال نسخ المصنفات المحمية بأنظمة حق المؤلف جراء تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، وعليه فإن المخالفة وقعت وفقًا لاستثناءات النسخ المتمثلة في المادة الخامسة عشرة من ذات النظام. وبناء على هذا المقترح، سيسمح للمبرمجين والمدربين الذين لا غنى عن مساهمتهم في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي بمزيد من الحرية في العمل لأنهم لا يستفيدون بشكل مباشر من انتهاك حقوق المؤلف الذي تحدث في عملية تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي. لذلك من الأفضل أن تُعزى المسؤولية إلى مستخدمي أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهم الذين يتمتعون بفوائد ومخرجات الذكاء الاصطناعي، فيجب أن تقع عليهم المسؤوليات القانونية والمطالبات والتعويضات.
 

التصنيف : حق المؤلف
author الذكاء الاصطناعي بين مستقبل المطورين وحقوق المؤلفين (الجزء الثاني)

التعليقات (0)