شعار الهئية
  • EN
+A
A
A-
high-contrast-logoتباين عالي
voice-overالأوامر الصوتية

مدى كفاية قوانين براءة الاختراع لحماية المعارف التقليدية

تاريخ النشر : 29 سبتمبر 2022

 يتكون عالمنا من ثقافات وتقاليد ومعارف مختلفة، ويفضّل العديد من أصحابها تناقلها جيلًا بعد جيل، والتمسك بها وممارستها، بدلًا من الانغماس بشكل كامل في الحياة العصرية المتأثرة بالعولمة. وخير مثال على هذا النوع من الناس هو السكان الأصليون والمجتمعات المحلية بشكل عام في مختلف القارات، ومنهم الهنود الحمر في الأميركيتين. ومصطلح المعارف التقليدية في مجال الملكية الفكرية لم يعتمد له تعريف دولي إلى الآن، ولكن من الممكن التعبير عن المعارف التقليدية بشكل عام بأنها معارف المجتمعات وخبراتهم وممارساتهم وتقنياتهم، والطرق العلاجية مما له قيمة قد يستفاد منها اقتصاديًّا، ومن ذلك الطرق العلاجية التي كانوا يمارسونها باستخدام بعض النباتات، أو أجزاء من الحيوان. ومع ازدياد التقدم الصناعي والتجاري في عالمنا الحاضر استغل بعض الأفراد والعديد من الشركات الأجنبية المعارف التقليدية للمجتمعات الأصلية دون موافقتهم، ولا حتى تقاسم المنافع معهم. ومع التطور السريع في نظام الملكية الفكرية العالمي في العقدين الماضيين وُجدت مساع لحماية المعارف التقليدية للمجتمعات الأصلية تحت حماية الملكية الفكرية، حيث إن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو) بذلت جهودًا لتكريس حماية المعارف التقليدية، منطلقة من مبدأ أن "أصحاب المعارف التقليدية ينبغي أن يكون لهم الحق في التقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن استخدام معارفهم". كما أنشأت الجمعية العمومية للويبو في عام 2001 اللجنة الحكومية الدولية المعنية بالملكية الفكرية والموارد الوراثية والمعارف التقليدية والفولكلور، ومن أهدافها دراسة إمكانية تشريع اتفاقية دولية ملزمة في موضوع حماية المعارف التقليدية. وعلى الرغم من كل هذه الجهود، فإن الإشكاليات التنظيمية والعملية لحماية المعارف التقليدية ما تزال قائمة، ومن ذلك إشكالية مقترح الاكتفاء بحماية المعارف التقليدية تحت قوانين حماية براءات الاختراع. 

وبالنظر إلى الاتفاقية العالمية المتعلقة بالجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (تريبس) يتبين أنها لم تقدم حماية واضحة للمعارف التقليدية. وعلى الرغم من أن هناك إمكانية لحماية جزء من المعارف التقليدية من خلال فروع الملكية الفكرية الحالية، مثل براءة الاختراع وحقوق المؤلف والنماذج الصناعية والمؤشرات الجغرافية، فإن هناك نقاشًا قانونيًّا حول كفاية الملكية الفكرية بواقعها الحالي لتوفير الحماية المناسبة للمعارف التقليدية. ولكون أقرب مجالات الملكية الفكرية من المعارف التقليدية وأكثرها علاقة هو مجال براءة الاختراع، فقد حظي هذا المجال بنقاش قانوني مستفيض حول علاقته بالمعارف التقليدية. ولكننا نرى عدم مناسبة حماية المعارف التقليدية من خلال براءة الاختراع، لما يتطلب تسجيل براءة الاختراع من شروط لا تنطبق عمليًا على المعارف التقليدية ولا تتناسب معها، كما سنوضح أدناه.

فبمراجعة تشريعات براءة الاختراع، نجد أنها تتطلب لمنح الحماية القانونية أن يكون الاختراع جديدًا، ومحتويًا على خطوة ابتكارية، بالإضافة إلى قابليته للتصنيع. ومن النظرة الأولى في هذه الشروط، قد يُظن أنها قد تنطبق على المعارف التقليدية. ولكن من خلال التطبيق العملي لهذه المتطلبات نجد أن هنالك عدم تلاؤم بين المتطلبات المحددة في قوانين براءة الاختراع، وبعض الخصائص التي تميز المعارف التقليدية. وذلك يجعلنا نجزم بعدم مناسبتها لحماية المعارف التقليدية. وأول هذه الاختلافات يكمن بدايةً في مبدأ (التأقيت)، إذ إن الحماية التي توفرها قوانين براءة الاختراع هي حماية مؤقتة والتشريعات تحددها غالبًا بحد أقصى بمدة عشرين سنة، حيث إن هذه المدة هي المدة الأدنى وفقًا لاتفاقية تريبس. وكون المعارف التقليدية تشكل موروثا تتناقله الأجيال، فإنها تعتبر غير قابلة للتأقيت. وقد أدى ذلك إلى مطالبات من قبل الشعوب بعدم تقبلهم لتأقيت معارفهم بمدة زمنية محددة، كالتي توفرها قوانين براءة الاختراع.

بالإضافة إلى الشروط أعلاه، نجد أن قوانين براءة الاختراع تتطلب أن يكون الاختراع موصوفًا كتابيًا. وهذا الشرط قد يصعب تطبيقه على بعض المعارف التقليدية التي تشكلت على مدى سنوات عديدة، ومن الصعب أو المستحيل كتابة جميع المعلومات المتعلقة بها وتقديمها إلى مكتب البراءات. بالإضافة إلى أن بعض المجتمعات التقليدية والسكان الأصليين قد لا يتمكنون من تحمل تكاليف تسجيل معارفهم التقليدية التي قد تصل إلى 20,000 دولارًا أمريكيًّا. فبالطبع يشكل هذا عائقًا كبيرًا أمام هذه المجتمعات بالإضافة إلى تكلفة دفع أتعاب المحامين ومحاكمة المخالفين التي قد تستغرق وقتًا طويلًا ومبلغًا يصعب تحمله. علاوةً على ذلك، فالمعارف التقليدية ناتجة عن مجموعات لا عن شخص معين، في حين يتطلب قانون براءة الاختراع تحديد المخترع، وغالبًا تتكون هذه المعارف وتتناقل من جيل إلى آخر دون معرفة مكتشفها الأول. وهذا يشكل أحيانًا عائقًا في تسجيل هذه المعارف، كما أن قانون براءة الاختراع يتطلب خطوة ابتكارية من قبل المخترع لاعتمادها، لكن هذا المتطلب من الممكن أن يتعارض جزئيًّا مع خصائص المعارف التقليدية في أنها غالبًا ما تكون معروفة لدى الجميع بسبب تداولها وتناقلها. 

فللأسباب المشار إليها أعلاه، تتعذر الاستفادة من قوانين براءة الاختراع لحماية المعارف التقليدية ضد استغلالها من الغير، وهو ما يعرف بـ "الحماية الإيجابية" للمعارف التقليدية من خلال براءة الاختراع. ولذلك، توجهت بعض الدول إلى الاستفادة من قوانين براءة الاختراع في هذا المجال بالاكتفاء بها بتوفير ما يعرف بـ "الحماية الدفاعية" للمعارف التقليدية. وذلك بمنع مستغليها من تسجيلها باعتبارها براءة اختراع لهم دون إذن من الشعوب الأصلية. فقد حاولت الهند معالجة هذه المسألة من خلال إنشاء مكتبة رقمية للمعارف التقليدية تضمنت ما يقرب من 30 مليون صفحة من المعارف التقليدية الهندية القديمة، وترجمت إلى العديد من اللغات. والغرض من ذلك هو حماية معارفهم التقليدية من الانتهاك من قبل الأفراد والشركات الخارجية. ومع أهمية مثل هذه الوسائل الدفاعية، إلا أنها لا تكفي لحماية معارف الشعوب والمجتمعات، حيث إنه بالإمكان استغلالها تجاريًا دون الحاجة إلى تقديم براءة اختراع عليها من قبل هؤلاء المستغلين. 

ختامًا، نلاحظ بناء على نقاشنا أعلاه عدم كفاية قوانين براءة الاختراع الحالية لحماية المعارف التقليدية حماية إيجابية تحفظها من استغلال الجهات الأجنبية تجاريا، حيث إن قوانين براءة الاختراع تضع شروطًا ومتطلبات لا تتناسب مع طبيعة المعارف التقليدية ولا تكفي لحمايتها الحماية الكافية. وقد أدى ذلك إلى نشأة مطالبات لتدخل دولي لفرض نظام خاص عبر اتفاقيات دولية تحمي معارف المجتمعات المحلية من الاستغلال من قبل بعض الشركات تجاريًّا، أو على الأقل تعديل تشريعات براءة الاختراع بما يتناسب مع طبيعة المعارف التقليدية.
 

التصنيف : براءات الاختراع
author مدى كفاية قوانين براءة الاختراع لحماية المعارف التقليدية

التعليقات (0)