شعار الهئية
  • EN
+A
A
A-
high-contrast-logoتباين عالي
voice-overالأوامر الصوتية

المحاكاة الساخرة والتعدي على حقوق المؤلف

تاريخ النشر : 29 سبتمبر 2022

جاء نظام حماية حقوق المؤلف ليرسم حدودًا واضحة، ويرسي قواعد ثابتة يضمن بها حماية المؤلفات من أي اعتداء وانتهاك قد تتعرض له. وهذا ما سارت عليه معظم الدول وفقًا لتشريعاتها الداخلية، وبناء على انضمامها للاتفاقيات الدولية ذات العلاقة، كـاتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية، المبرمة عام 1886. إلا أنه في ظل ازدهار المعرفة ونماء الفنون بألوانها المختلفة، والتطور التقني المتسارع الذي نتج عنه إنشاء منصات مفتوحة عبر وسائل الإعلام، قد عاد مجدِّدًا الاهتمام بمفهوم حرية التعبير وحق الفرد في إبداء رأيه، ومبدأ الاستقلال الذاتي الفني، والحرية الفنية. فبذريعة الحرية حدثت أنواع من التعدي بالنسخ على المؤلفات والأداءات المبتكرة، وظهرت الحاجة إلى إعادة تنظيم بعض موضوعات حقوق المؤلف بشكل يتيح للآخرين الاستفادة من المؤلفات المنشورة (أيًّا كان شكلها) مع الحفاظ على حق المؤلف وعدم الإضرار به. ومن تلك الموضوعات المهمة مسألة إتاحة الحرية لمحاكاة المؤلفات والمؤلفين بطريقة ساخرة. فهذه المسألة أصبحت محل اهتمام التشريعات الوطنية والأنظمة القضائية، وخاصة من ناحية وضع ضوابط تحكمها وتوضح حدود الحرية فيها.

بدايةً، نلاحظ أن كثيرًا من الدول اتجهت إلى اعتبار المحاكاة الساخرة مستثناة من الحماية المكفولة للمؤلف، فلم تعدها انتهاكًا أو اعتداءً على حقه. ومن تلك الدول: المملكة المتحدة، ونيوزلندا، وأستراليا، وكندا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. والجدير بالذكر أن العديد من هذه الدول لم تضمن في قوانينها الوطنية المحاكاة الساخرة وعلاقتها بحماية حقوق المؤلف إلا مؤخرًا. وعلى الرغم من أهمية استثناء كهذا، فإن القانون لم يستقر على تعريف ثابت وموحّد للمحاكاة الساخرة. فمعايير المحاكاة الساخرة ونطاقها تختلف من دولة لأخرى. ويرجع في تحديد تلك المعايير إلى قانون كل دولة، غير أن معظم الدول حددت ملامح مشتركة يقوم بها مفهوم المحاكاة الساخرة، وشملتها في كل تقليد لمؤلف أو أداء موجود على سبيل الفكاهة والسخرية.

ففي مفهوم العلاقة بين المؤلف الأصلي والمؤلف الساخر أشار التقرير الصادر عن مجلس حقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة في دورته الثامنة والعشرين (الذي تناول تعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما في ذلك الحق في التنمية، وعلى وجه الخصوص حقوق التأليف والنشر) إلى أن الحقوق المعنوية للمؤلف المتمثلة في حق الاعتراض على أي تعديل يطرأ على مؤلفاتهم يجب أن تفسر مقترنة بمصالح غيره من المؤلفين في نطاق الإذن الإبداعي. 

وفي محاولة لتحقيق التوازن بين حق المؤلف وحرية المحاكاة الساخرة، صدرت فتوى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي حول هذا الأمر في قضية دكمين ضد فاندرستين. وتتخلص وقائع هذه القضية في أداء دكمين محاكاة ساخرة لرسم سبق أن قام به فاندرستين على غلاف قصة سبايك وسوزي المشهورة، إلا أن الفرق بين العملين هو تمثيل دكمين عمدة مدينة غنت وهو يرمي نقودًا على أشخاص من ذوي البشرة السمراء وآخرين يرتدون الحجاب، وقد أدى ذلك إلى ربط تلك الرسالة العنصرية في أذهان الناس بالعمل الفني الأصلي.  بيّنت المحكمة أن الحق في حرية التعبير يقضي بأن تسمح البلدان الأوروبية بالاستخدام غير المرخص للأعمال المحفوظة، بموجب حقوق التأليف والنشر لأغراض المحاكاة الساخرة، التي تستشهد بعمل قائم مع اختلاف واضح، وتشكل تعبيرًا يتسم بالدعابة والتهكم، بيد أن المحكمة أقرت باحتمالية وجود أعمال من المحاكاة الساخرة قد تنتهك فعلًا حقًّا من حقوق المؤلف، ومن ذلك تعبير المحاكاة -موضوع القضية أعلاه- عن رسالة تمييزية ينتج عنها ربط العمل المحمي بهذه الرسالة. فإن المؤلفين (في رأي المحكمة) "لهم من حيث المبدأ مصلحة مشروعة في ضمان ألا يرتبط العمل المحمي بحقوق التأليف والنشر بتلك الرسالة". 

وأكدت محكمة العدل أهمية أخذ المحاكم الوطنية بذلك مع النظر إلى جميع الظروف المحيطة بكل قضية بعينها. كما أشارت المحكمة إلى المادة 5 (3) (K) من توجيه الاتحاد الأوروبي في عام 2001 حول حقوق المؤلف والتي استثنت المحاكاة الساخرة من حق المؤلف، وقضت بوجوب توفر شرطين في هذا الاستثناء للمحاكاة الساخرة، وهما:
-    أن تكون المحاكاة تقليدًا لعمل آخر موجود، ولكن في نفس الوقت يكون التقليد متميزًا عن العمل الأصلي، أو يمكن تمييزه عنه.
-    أن يحتوي عمل المحاكاة على سخرية أو دعابة.
وبتوفر هذين الشرطين، سيظهر لمتابع عمل المحاكاة الفرق بين المحاكاة والعمل الأصلي، وأن الغرض من المحاكاة هو مجرد السخرية أو الدعابة.

أخيرًا، إن فتوى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي أعلاه قد تعتبر بداية مناسبة لبحث موضوع استثناء المحاكاة الساخرة من حق المؤلف في نظام حماية حقوق المؤلف السعودي أو لائحته التنفيذية بضوابط واضحة. فوجود ضوابط محددة وتفصيل لحالات المحاكاة الساخرة، وما يقبل منها وما لا يقبل، أمر ذو أهمية معتبرة، خاصة مع انتشار وسائل الإعلام الاجتماعية، وتزايد المطالبة بحرية التعبير بمحاكاة المصنفات وأدائها. كما أن المحاكاة في حقيقتها ليست سرقة أدبية ولا هجاء جارحًا، وإنما هي تقليد لمؤلف ذاع صيته بطريقة فكاهية ظريفة. 
 

التصنيف : حق المؤلف
author المحاكاة الساخرة والتعدي على حقوق المؤلف

التعليقات (0)