شعار الهئية
  • EN
+A
A
A-
high-contrast-logoتباين عالي
voice-overالأوامر الصوتية

عبء الإثبات في دعاوى شطب العلامات التجارية لعدم الاستعمال

تاريخ النشر : 29 سبتمبر 2022

لو ادعى شخص أمرًا لا نملك دليلًا على صحته، ولا دليلًا على عدم صحته، فالعقل يوجب علينا ألا نأخذ بادعائه إلا بعد معرفة الدليل، وفي الوقت نفسه لا ننفي كلامه دون دليل. فالنّفي يتطلب الدليل، كالإثبات، وجهلنا بوجود دليل ليس علمًا بالعدم، ولكن في الوقت ذاته ليس للمدعي هنا مطالبتنا بإثبات عدم وجود دليل على صحة كلامه في مقابل عدم تصديقه. وذلك أن إثبات عدم وجود دليل مطلوب من النافي لا من غير مصدق الادعاء. إن هذه القاعدة العقلية المستقرة في علم المنطق مفيد جدًا في واقعنا، إلا أن تعميم تطبيقها في جميع المسائل بتجريد عن الواقع والمعطيات الظرفية المتعلقة بالمسائل المتنازع عليها قد يقود إلى نتائج غير صحيحة. فعدم تقديم الدليل ليس دليلًا على عدم صحة الادعاء في الواقع، الأمر الذي يقودنا إلى أهمية تأمل تطبيقات هذه القاعدة والاحتراز من الزامتها التي قد تبعدنا من الحقيقة أكثر مما تقربنا إليها. وإن من المسائل التي ترد على هذه القاعدة، مسألة عبء إثبات عدم الاستعمال في دعاوى شطب تسجيل العلامة التجارية. فقد نصت المادة 24 من قانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج على أن "للمحكمة المختصة، بناء على طلب من كل ذي شأن، أن تأمر بشطب العلامة من السجل إذا ثبت لديها أن العلامة لم تستعمل بصفة جدِّية لمدة خمس سنوات متتالية". وفي الواقع الممارس، نجد المحكمة المختصة تضع عبء الإثبات في عدم استخدام العلامة التجارية لغرض المادة المشار إليها أعلاه على مقدم طلب شطب العلامة التجارية، لا على صاحب العلامة. فتطلب من مقدم طلب شطب العلامة التجارية تقديم البينة المثبتة عدم استعمال صاحب العلامة (المدعى عليه) علامته استعمالًا جدِّيًّا لمدة خمس سنوات متتالية. ومن المعلوم أنه من المتعذر على المدعي أن يحقق هذا الطلب، حيث إن من التعجيز المرفوض طلب إثبات عدم الوجود.  

انبثقت الإشكالية محل النظر في هذا المقال من تفسير مبدأ البيّنة على من ادعى. وهو مبدأ صحيح بلا ريب، بل هو حديث شريف رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس بسند حسن، كما أنه قاعدة شرعية معروفة، وأساس قضائي مستقر. ولكن الإشكال يكمن في إعمال هذا المبدأ من غير تأمّل كاف لطبيعة دعاوى شطب العلامات التجارية لعلة عدم الاستعمال. فهذا المبدأ لا يطبق على ظاهره في جميع أشكال المنازعات القضائية. ولقد تنبه لهذا فقهاء الشرع والقانون، فقرروا في عدة مسائل نقل عبء الاثبات ليكون على المدعى عليه، كإلزام المتّهم في قضايا غسل الأموال ببيان مصدر الأموال، وإلزام الجار إثبات حق الارتفاق عند بنائه شرفة تعلو بيت جاره. ولهذا ضبط هذا المبدأ بتقرير البينة على من ادعى خلاف الأصْل والظاهِر، مدعيًا كان أو مدعى عليه، وحمل الحديث على هذا التفسير لاطراده في الأحكام الشرعية. فالحديث نص على أنه: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجالٌ أموال قومٍ ودماءهم، لكن البينة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر". وسياقه جاء فيمن ادعى خلاف الأصل والظاهر. فالأصلُ براءةُ ذمّة المدعى عليه في الدماء والأموال. ولهذا عرف الإمام القرافي رحمه الله في كتاب "الفروق" المدعي بأنه "كل من كان على خلاف أصل أو عرف، والمدعى عليه بأنه: كل من كان وفق أصل وعرف". إن تقرر ذلك، فكيف لنا أن نجيب عن مبدأ البينة على من ادعى، وكيف يجوز استثناء بعض المنازعات القضائية، كدعاوى شطب العلامات التجارية لعدم الاستعمال من هذا المبدأ؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي لنا أولًا تحرير الأصل أو الظاهر في استعمال العلامات التجارية. فالأدلة العقلية والقانونية تدل على أن الأصل الثابت هو عدم استعمال العلامة التجارية. ومن ذلك أن من المقطوع به عقلًا أن استعمال العلامة كائنٌ بعد أن لم يَكُن. وعليه، فإن الأصل هو عدم الاستعمال. 

ولكن قد يقول قائل: إن الأصل لا يُقرّر بالدليل العقلي فقط. فالعُرف مثلًا قد يلغي استصْحاب الأصل العقلي المحض الحاكِم بعدم الوُجود إلى تحقّقِ وجوده عرفًا. ومثال ذلك تقرير ملكية المال لمن استقرت حيازته له. فلو نازع شخص آخر في ملكية ذلك المال، لأُلزم هذا الشخص الآخر بالدليل رغم أن حيازة المال سبقها عدم الحيازة بالتأكيد. فالاستناد هنا إلى العرف والخروج عن الأصل العقلي أمر سليم ولا إشكال فيه. ولكن سبب الاستناد هنا إلى العرف هو أن العرف خالف الأصل، وليس ذلك متحققًا في استعمال العلامة التجارية، بل خلافه أظهر. وذلك للأدلة القانونية التي فرقت بشكل ظاهر بين تسجيل العلامة واستعمالها، وأشارت إلى الاستعمال باعتباره شرطًا للملكية أو استقرارها.  فمثلا نصت الفقرة الثالثة من المادة 15 من الاتفاقية حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (تريبس) على أنه "يجوز للبلدان الأعضاء جعل قابلية التسجيل معتمدة على الاستعمال، غير أنه لا يجوز اعتبار الاستعمال الفعلي للعلامة شرطًا للتقدم بطلب تسجيلها، ويحظر رفض تسجيلها لمجرد أن الاستعمال المزمع لم يحدث قبل انقضاء فترة ثلاث سنوات، اعتبارًا من تاريخ تقديم الطلب". ومن الأدلة على ذلك أيضا الفقرة الأولى من المادة 7 من قانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج، التي نصت على أنه "يعتبر من قام بتسجيل العلامة التجارية بحسن نية مالكًا لها، ولا تجوز المنازعة في ملكية العلامة متى اقترن تسجيل العلامة باستعمالها مدة خمس سنوات على الأقل، دون وجود نزاع قضائي بشأنها"، فإن تعليق المنظم استقرار ملكية العلامة باستعمالها لمدة خمس سنوات، دليل على أن مقصد المنظم عدم افتراض الاستعمال لمجرد التسجيل. وعليه، فقياس منازعة الناس في أموالهم التي بحوزتهم على استعمال العلامة قياس مع الفارق. فملكية المال ثابتة مستقرة بالحيازة، واستقرار ملكية العلامة التجارية معلق على شرط الإِتيان بالاستعمال. ولهذا، فإن المثال الأقرب هنا هو إلزام المستأجر عبء إثبات دفع الأجرة، ولو كان المدعي هو المؤجر، حيث إن دفع الأجرة شرط الانتفاع بالعين المؤجرة، كما أن الاستعمال شرط لاستقرار ملك العلامة.

فبناء على ما سبق، وللمفاسد الظاهرة في إلزام طالب شطب تسجيل العلامة إثبات عدم استعمالها، فهنالك حاجة ملحة لمعالجة المسألة محل النظر، إما بنقل عبء إثبات استعمال العلامات التجارية على صاحب العلامة، أو الاقتصار على طلب القرائن المحققة نوعًا من الوجاهة، أو الرجحان من طالب الشطب، لينقل عبء الاثبات بعد ذلك على المدعى عليه. 
 

التصنيف : العلامات التجارية
author عبء الإثبات في دعاوى شطب العلامات التجارية لعدم الاستعمال

التعليقات (0)