شعار الهئية
  • EN
+A
A
A-
high-contrast-logoتباين عالي
voice-overالأوامر الصوتية

تساؤلات حول حماية العلامات التجارية في الواقع الافتراضي والميتافيرس

تاريخ النشر : 29 سبتمبر 2022

لقد أصبح تطور التقنيات الإلكترونية أسرع من توقعات عامة الناس، نظير سرعة تقدمها وتنوع مجالاتها. فعلى سبيل المثال، نجد أن "الواقع الافتراضي" (Virtual Reality) في الآونة الأخيرة قد حقق تطورات مذهلة في قدرته على مجاراة الفضاء الواقعي الملموس، سواء في الألعاب، أو التعليم، أو الأعمال، أو غيرها من مجالات. وذلك باستخدام تقنية الواقع المعزز(Augmented Reality)  أو تقنية الواقع المختلط (Mixed Reality)، أو غيرها من التقنيات ذات العلاقة. كما شاهدنا مؤخرًا كيف أصبح العالم الافتراضي يتيح عالمًا من المساحات الرقمية المفتوحة التي تمكن مرتاديها من التفاعل المشترك بحرية واسعة، وبما يحاكي العالم الحقيقي بدقة كبيرة. وهذا العالم الافتراضي المفتوح يعرف بمصطلح "ما وراء العالم" أو الميتافرس (Metaverse). وقد سهل عالم الميتافيرس ظاهرة الإقبال على شراء أصول في العالم الافتراضي، كشراء عقار، أو سيارة فاخرة، أو ملابس لها تصميمات جذابة. وقد أثار مثل هذه الظاهرة عدة إشكالات، منها: حماية العلامات التجارية في هذا العالم المفتوح الذي لا تحكمه قوانين فعَّالة، أو رقابة داخلية محكمة، بالإضافة إلى عدم استيعاب التشريعات المتعلقة بالملكية الفكرية له بوضوح.

ولنتعرف أكثر على أهمية العالم الافتراضي (بمفهومه العام الشامل للواقع الافتراضي والميتافيرس) وعلاقته بالعلامات التجارية، فسأعطيك عزيزي القارئ- أحد الأرقام الحديثة عن المكاسب المالية من الأصول المبيعة في العالم الافتراضي. فقد حقق الميتافيرس في المجال العقاري وحدَه أكثر  من 500 مليون دولار أمريكي في عام 2021م، ومن المتوقع تضاعف هذا الرقم في عام 2022م. فضلًا عن المجال الأوسع في هذا الفضاء الافتراضي، وهو مجال مساحات الألعاب الشهيرة مثل World Warcraft أو Roblex الذي يرتاده ملايين من المستخدمين النشطين، ويتضمن بيع السلع، وتقديم الخدمات. وهذا ما يؤكد وجود تحول كبير نحو هذه المساحات لا نعلم حده حتى الآن. وحينما يقوم أصحاب المنتجات والخدمات عمومًا ببناء الهوية الخاصة لعملياتهم التجارية، وذلك باستحداث علامات تجارية لها سمات تسمح للمستهلكين والمستخدمين في العالم الواقعي والعالم الافتراضي بتمييز منتجاتهم وخدماتهم عن أصحاب السلع والخدمات الآخرين، فذلك يجعلنا نطرح التساؤلات التالية: ما إجراءات الحماية لهذه العلامات التجارية على البيئة الرقمية؟ وما النطاق الجغرافي لهذه الحماية في وجود فضاء لا مركزي؟ وبما أن العلامات التجارية تسجل على فئات متعددة وفقًا لتصنيف نيس الدولي للسلع والخدمات، فهل يتناسب هذا التصنيف مع فئات العلامات التجارية في العالم الافتراضي؟ 

إن هذه التساؤلات تتطلب وجود نقاشات تقنية وقانونية بين المختصين لتغطيتها من جميع جوانبها، وتيسير الإجابة عنها. ولتمهيد السبيل أمام مثل هذه النقاشات، قد يكون من المناسب تقسيم الحالات التي من الممكن أن تقع فيها انتهاكات العلامات التجارية المتعلقة بالعالم الافتراضي إلى ثلاث صور، ودراسة كل صورة على حدتها. الصورة الأولى: أن تكون هناك علامة تجارية في العالم الواقعي، وتستخدم في العالم الافتراضي دون إذن صاحبها، كأن يستخدم أحد مرتادي الميتافيرس مثلًا علامة Pepsi لمحل يقدم المشروبات الغازية في العالم الافتراضي. وهذه الصورة من الانتهاكات حدثت بعض الحالات منها فعليًّا. ولذلك قامت شركة NiKe برفع دعوى قضائية متعلقة بالميتافيرس لانتهاك العلامة التجارية الخاصة بها من قبل أحد المتاجر المشهورة بإعادة البيع بالتجزئة، وقامت بعرض سلع افتراضية تحمل العلامة التجارية لـ Nike بشكل بارز. كما قامت بعض الشركات المالكة لعلامات تجارية مشهورة في العالم الواقعي مثل Balenciaga وCoca Cola وHyundai باتخاذ خطوات قانونية استباقية لحماية هذه العلامات في البيئة الرقمية. ففي هذه الصورة، لا يوجد إشكال واضح من ناحية تسجيل العلامة، فهي مسجلة في العالم الواقعي، وبقوانينه وضوابطه، ولكن تبقى إشكالات أخرى تعود إلى الحرية المتاحة في هذا العالم المفتوح، وتتعلق بضوابط تحديد المخالفات التي تقع في العالم الافتراضي، وكيفية ضبط هذه المخالفات، ورفع شكوى أو دعوى بشأنها. 

والصورة الثانية لهذه المخالفات: أن تكون هناك علامة تجارية نشأت في العالم الافتراضي، وتُقلد في العالم الواقعي. كأن تنشأ علامة تجارية في العالم الافتراضي مثلا باسم XVS لبيع أحذية بتصاميم مميزة وبأسعار باهظة، ويأتي من يقلدها في العالم الواقعي، مستخدما نفس العلامة التجارية. فبالإضافة إلى بعض الإشكاليات المتعلقة بالصورة الأولى، ستنشأ في هذه الصورة التساؤلات التالية: ما الجهة التي ستسجَّل العلامة فيها، وتكون مسؤولة عن إنفاذ حقوقها؟ وما الفئة المناسبة للتسجيل، وفق تصنيف نيس الدولي للسلع والخدمات، الذي صمم أساسًا ليتوافق مع العلامات التجارية في العالم الواقعي؟ وهل يستوفي استعمال العلامة في الواقع الافتراضي الشروط الواردة في قوانين العلامات التجارية؟ بعض هذه الإشكاليات قد يرد أيضًا على الصورة الثالثة لهذه المخالفات، وهي أن تنشأ علامة تجارية في العالم الافتراضي، ويقلدها متجر آخر في العالم الافتراضي نفسه، كأن تُقلد مثلا علامة XVS المشار إليها أعلاه من قبل متجر آخر في العلام الافتراضي نفسه. إلا أن هذه الصورة الثالثة قد تتميز عن سابقتها بأن إمكانية معرفة التشابه بين العلامتين التجاريتين فيها أسهل. فبما أن جميعهما في عالم واحد، ويخضعان لظروف تقنية واحدة، فإمكانية تحديد مكان الانتهاك وطريقته ستكون أيسر، كما أن طريقة تسجيلهما من المفترض أن تكون وفقًا لمعايير وضوابط موحدة. 

إن الهدف من هذا المقال: هو إبراز أهمية العلاقة بين العالم الافتراضي، وحماية العلامات التجارية، وفتح نقاش علمي، وأكاديمي، وقانوني حولها. فمن المهم أن تدرس هذه الجوانب من الناحية التقنية والقانونية لمحاولة إيجاد توازن ما بين حماية التوسع الإبداعي المذهل في العالم الافتراضي، وحماية العلامات التجارية من الاستغلال. ومن المهم أن تنتج مثل هذه النقاشات والدراسات المتخصصة مقترحات لتشريعات خاصة، تنظم ممارسة هذه الأنشطة في العالم الافتراضي، حيث إن التشريعات الحالية المتعلقة بالعلامات التجارية لا تغطي بوضوح الإشكالات التي تعرضنا لها في هذا المقال. 
 

التصنيف : العلامات التجارية
author تساؤلات حول حماية العلامات التجارية في الواقع الافتراضي والميتافيرس

التعليقات (0)