شعار الهئية
  • EN
+A
A
A-
high-contrast-logoتباين عالي
voice-overالأوامر الصوتية

الوساطة والتحكيم في نزاعات الملكية الفكرية

تاريخ النشر : 29 سبتمبر 2022

مع تزايد معاملات الاتفاقيات، والتراخيص المتعلقة بالملكية الفكرية، زاد الاهتمام بالبحث عن حلول سريعة، تضمن المحافظة على حقوق الملكية الفكرية، والآثار المالية المرتبطة بها حال حدوث نزاع حولها، من خلال اللجوء إلى ما يعرف بوسائل تسوية النزاعات البديلة (Alternatives Dispute Resolution "ADR") التي لها عدة صور وأشكال، مثل الوساطة والتسهيل، والتحكيم ومؤتمرات التسوية. وتستخدم هذه الوسائل لتجنب الإجراءات المطولة والكلفة العالية لرفع القضايا في أماكن نشوء تلك النزاعات عبر الطرق التقليدية في المحاكم، والدوائر، واللجان المختصة. ولكون الوساطة والتحكيم أهم هذه الوسائل البديلة، وأوسعها استخدامًا، فسنناقش في هذه المقالة أهمية الاستفادة منها في مجال الملكية الفكرية. 


يقصد بالوساطة بشكل عام- أن يختار أطراف النزاع شخصًا لمساعدتهم في الوصول إلى حل مقبول في تسوية نزاعهم، حيث يتحكم الطرفان في جوهر المناقشات، وأي اتفاق يتم التوصل إليه، ويحاول الوسيط الاستماع للطرفين، ومساعدتهما في تحديد القضايا في النزاع وبعض الحلول المقترحة، وصياغة مسودة التسوية. وتعود جذور الوساطة في العديد من الثقافات إلى مئات السنين عبر التاريخ. فالصينيون قد استخدموا الوساطة لحل النزاعات الشخصية منذ أكثر من 2000 عام. واستعانت القبائل الأمريكية الأصلية بمن يعرفون لديهم بمستشاري السلام الذين يقومون بمهام تشبه إلى حد كبير- الوساطة محل النقاش في هذا المقال. كما اتبعت كثير من الثقافات والمجتمعات هذه الوسيلة لحل النزعات بصور وطرق متفاوتة.


أما التحكيم فهو الوسيلة الأكثر رسمية من وسائل تسوية النزاعات البديلة، حيث يتم اختيار محكَّم يتفق عليه الطرفان، ويستمع الى أدلة وحجج كل طرف من أطراف النزاع، ومن ثَمَّ يقرر نتيجة النزاع بناء على رأي مسبب. وقد تكون وسيلة التحكيم ملزمة في حال أن الأطراف اتفقوا على تنازلهم عن الحق في اللجوء لطرق حل النزاع التقليدية. ويعتبر قرار المحكَّم نهائيًا، ولا يجوز الطعن فيه إلا برفع طلب بطلان حكم التحكيم في حالات استثنائية بينتها المادة الخمسين من نظام التحكيم. والتحكيم أسلوب ممارس كذلك من قديم الزمان في كثير من المجتمعات. وقد حكى الإمام السرخسي في كتابه المبسوط إجماع الصحابة على جوازه. وقد احتوت وصية الزعيم الأمريكي جورج واشنطن على بند خاص بالتحكيم، حث فيه عليه، واقترح فيه كذلك آلية اختيار المحكمين.


 ولأسباب تتعلق بالسياسات العامة، لم تتح الولايات المتحدة الأمريكية حل قضايا الملكية الفكرية عبر وسائل التسوية البديلة حتى عام 1982م، لما أصدر الكونجرس الأمريكي تشريعًا يسمح بالتحكيم في نزاعات براءات الاختراع. إلا أن معظم المحامين لم يكونوا يعتقدون بإمكانية حل قضايا الملكية الفكرية إلا من خلال التقاضي في المحاكم. وفي بدايات تسعينات القرن الماضي شجعت المحاكم الأمريكية على استخدام الوسائل البديلة في حل المنازعات عبر إصدار عدة قوانين، مثل قانون إصلاح العدالة المدنية عام 1990م، الذي يشجع المحاكم على إيجاد حلول غير مكلفة لتسوية النزاعات، وأيضًا قانون تسوية المنازعات الإدارية الذي أصدر في ذات السنة، وطالب جميع الوكالات الفيدرالية باستخدام وسائل تسوية النزاعات، باعتبارها بديلًا عن التحاكم التقليدي. وذلك ساعد في استخدام وسائل تسوية النزاعات بشكل واسع النطاق في قضايا الملكية الفكرية على وجه الخصوص. 


أما على المستوى الدولي، فقد أنشأت المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) في عام 1994م مركز الوساطة والتحكيم، الذي يعطي خيارات بديلة لتسوية النزاعات، وذلك لصالح نزاعات التجارة الدولية بين الأفراد والمؤسسات، حيث تختار الأطراف المتعاقدة من الشركات والمراكز البحثية الدولية بشكل متزايد- مركز الوساطة والتحكيم في الويبو في عقودها، باعتبارها وسيلة تسوية للنزاعات أثناء حدوثها. وتزايدت أعداد هذه الطلبات على المركز بأكثر من أربعة أضعاف خلال العشر سنوات الأخيرة، وكان من بينها طلبات قدمت من قبل أطراف من المملكة. 


 وبالنسبة للتحكيم في المملكة، فيقوم المركز السعودي للتحكيم التجاري بتقديم خدمات تسوية النزاعات، والإشراف عليها، شريطة أن تتضمن العقود بين الأطراف حكمًا بأن يسوى أي نزاع وخلاف ينشأ عن العقد عن طريق التحكيم. ومع استعداد المركز للتعامل مع قضايا الملكية الفكرية المختلفة، إلا أنه لا توجد سوابق يمكن دراستها لتقييم الحاجة إلى إنشاء مركز متخصص في قضايا الملكية الفكرية، لتقديم وسائل بديلة لتسوية النزاعات. ومن هنا يأتي التساؤل بعد فهم أهمية ومزايا وسائل تسوية النزاعات البديلة حول الحاجة إلى إنشاء مركز متخصص في التحكيم والوساطة في قضايا الملكية الفكرية في المملكة. 
 

التصنيف : التراخيص
author الوساطة والتحكيم في نزاعات الملكية الفكرية

التعليقات (0)