شعار الهئية
  • EN
+A
A
A-
high-contrast-logoتباين عالي
voice-overالأوامر الصوتية

حول حماية الرائحة بصفتها علامة تجارية

تاريخ النشر : 30 سبتمبر 2022

مع تنامي النزعة الاستهلاكية عالميًا زادت العناية بالعوامل المؤثرة في التسويق، ومن ذلك الاهتمام بالعلامة التجارية التي تساعد الأفراد على تمييز المنتجات والخدمات ومعرفة هويتها التجارية. ولم تعد العلامة التجارية تعتمد فقط على وسائل التمييز التقليدية كالأسماء والأشكال والأرقام، بل ظهر ما يعرف بالعلامات التجارية غير التقليدية (Non-conventional trademarks) مثل علامة الرائحة التي هي محور حديثنا في هذا المقال. فقد وضح بعض علماء الأعصاب أن الشم والذاكرة مرتبطان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا لأن الروائح تتعامل مع البصيلة الشمية، وهي البنية الموجودة في الجزء الأمامي من الدماغ المسؤولة عن إرسال المعلومات إلى الأجزاء المتعلقة بالعاطفة والذاكرة. فإذا كانت حاسة النظر تعمل على تمييز بعض المنتجات عن غيرها، فإن حاسة الشم لها الأثر ذاته. فيمكن عن طريق الشم كما هو معلوم تمييز الأشياء عن غيرها. وبالتالي، يمكن ارتباطها بمنتجات معينة، ويمكن حمايتها قانونيًّا باعتبارها علامة تجارية حتى لا يترتب على انتهاكها خلط ولبس عند المستهلك وعواقب اقتصادية. ولأهمية موضوع حماية الرائحة بصفتها علامة تجارية وندرة الكتابات حوله، سنتناول في هذا المقال بعض الجوانب المتعلقة به وأهمية تنظيم هذا النوع من الحماية قانونيًا وإجرائيًا بالقدر الكافي.


إن كون الرائحة علامة تجارية من المسائل التي تتفاوت فيها الدول من حيث الاعتراف بها قانونيًّا، وخاصة أن الاتفاقية حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (تريبس) حينما عرفت العلامة التجارية لم تمثل عليها بالرائحة، فقد نصت في الفقرة الأولى من المادة 15 منها على أنه: "تعتبر أي علامة أو مجموعة علامات تسمح بتمييز السلع والخدمات التي تنتجها منشأة ما عن تلك التي تنتجها المنشآت الأخرى، صالحة لأن تكون علامة تجارية". ثم مثلت هذه الفقرة للعلامات التجارية بالكلمات والحروف والأرقام وغيرها من الأمثلة، ولم تنص في ذلك على الرائحة، إلا أن المادة ذاتها في فقرتها الثانية أعطت المجال للدول الأعضاء لإضافة أي مثال آخر للعلامات التجارية "شريطة عدم الانتقاص من أحكام معاهدة باريس (1967)".  فاعتبرت غالبية الدول (ومنها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الإتحاد الأوروبي) أن الرائحة من العلامات التجارية المشمولة بتعريف اتفاقية تريبس، وإن لم يُمثل بها في الاتفاقية. ومن هذه الدول من اكتفت بتفسير هذه المادة على هذا النحو قضاء، وبعض الدول أضافت نصوصًا صريحة في تشريعاتها ذات العلاقة باعتبار الرائحة علامة تجارية. ونجد أن قانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية سمح بإمكانية اعتبار "الرائحة علامة تجارية".  فلعدم وجود ما يمنع من تسجيل الرائحة علامةً تجاريةً، بدأت بعض الدول منذ عقود من الزمن بتسجيلها باعتبارها علامة مميزة لبعض المنتجات. ومن أشهر الأمثلة على ذلك تسجيل الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1990م رائحة ورد عطرية على إطار السياسات المنتجة من شركة  Sumitomo Rubber Co حيث كانت أول رائحة تسجل بصفتها علامة تجارية في الولايات المتحدة الأمريكية.


ولقد تعددت الأفكار والآراء حول مدى واقعية تسجيل علامة الرائحة، فرأى كثير من المهتمين بهذا الموضوع أن هذا الأمر غير ممكن لأسباب عدة، منها: أن شرط ربط رائحة المنتج بهويته مع ضرورة انفصال الرائحة عن وظيفته له صعوبة تقربه من المستحيلات. بالإضافة إلى أنه لا يمكن عمليًا تسجيل بعض الروائح لتلاشيها بعد فترة زمنية. وذلك يجعل قدرتها على التمييز محدودة جدا. وفي الرد على هذه الآراء فإن الصعوبة في تحقيق شرط الربط ليس حجة على منع التسجيل، فليس من المناسب حرمان صاحب الحق من ملكية علامة الرائحة بمجرد صعوبة تحقيق معايير من الممكن تكييفها لتتفق مع طبيعة تسجيل علامة الرائحة، فإن تحققت شروطها ساغ تسجيلها وإلا فلا. وفي هذا السياق، بذلت شركة Hasbro  الأمريكية جهودًا في إقناع مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع والعلامات التجارية بتسجيل علامة رائحة صلصالها المعروف بـ Play-Doh ونجحت الشركة في ذلك حينما أثبتت الارتباط الوثيق بتشكيل نقطة اتصال بين رائحة المنتج والعلامة التجارية. والجدير بالذكر أنه عند تسجيل أي رائحة باعتبارها علامة تجارية يكون للفاحصين دور في تحليل عناصرها وتركيبتها الكيميائية، والتأكد من عدم مشابهتها لرائحة مسجلة على منتجات أو خدمات مشابهة. ومن المعلوم أن عدم التمكن من الإدراك النظري لقياس مدى التشابه بعلامة أخرى مسجلة يجعل من فحصها أمرًا عسيرًا. وفي هذا الشأن قد يكون للتقنية دور فعال، حيث هناك ما يدعى بالأنف الإلكتروني Electronic nose)) الذي يعمل على تحليل واستشعار التركيبة الكيمائية للروائح للتعرف عليها، وبالتالي يمكن الاستعانة به للتعرف على مكونات الرائحة، ومساعدة الفاحصين في اتخاذ قراراتهم.


وعلى الرغم من تشريع قبول علامات الرائحة في نظام العلامات الخليجي كما أشير إلى ذلك أعلاه، إلا أن عدم وجود تنظيمات دولية أو وطنية ثابتة ومعايير واضحة لتحديد ضوابط تسجيل علامة الرائحة وآلية، ويجعل الأمر صعب التطبيق عمليًّا، وخاصة في ظل محدودية السوابق القضائية في موضوع علامات الرائحة. فبالنظر إلى تجارب الدول الأخرى في تسجيل علامة الرائحة، نلاحظ بعض التفاوت حول شروط وآلية تسجيل علامة الرائحة. فعلى سبيل المثال، بعض الدول (كالولايات المتحدة الأمريكية) تشترط إثبات أن المستهلكين يربطون الرائحة المراد تسجيلها بالمنتج ذي العلاقة، وهو أمر صعب إثباته، ويتطلب أحيانًا قيام الشركات بدراسات واستبانات لتأكيد ذلك. كما أن بعض الدول (ومنها الإتحاد الأوروبي وأستراليا) تشترط شرطًا يتعذر في أغلب الأحيان توفيره، وهو أن تكون الرائحة معبرًّا عنها بشكل بياني، سواء كان ذلك بالكتابة، أو بتسجيل صوتي، أو أية وسيلة أخرى. فلاختلاف شروط تسجيل علامة الرائحة وضوابط وإجراءات ذلك، نجد أن هناك تفاوتًا في سهولة تسجيل علامة الرائحة. فيلاحظ مثلا أن تسجيل الرائحة في الولايات المتحدة أيسر من تسجيلها في دول الاتحاد الأوربي. 


فبناء على ما سبق، وبما أن للرائحة خاصية تمييز السلع والخدمات بما يحقق جوهر مقصود الحماية القانونية لها بصفتها علامة تجارية، فهناك حاجة إلى وضع المعايير والإجراءات اللازمة لتحقيق المقصد التشريعي من حماية هذا النوع من العلامات. 
 

التصنيف : العلامات التجارية
author حول حماية الرائحة بصفتها علامة تجارية

التعليقات (2)