شعار الهئية
  • EN
+A
A
A-
high-contrast-logoتباين عالي
voice-overالأوامر الصوتية

فن رسوم الشوارع والكتابة على الجدران وحماية حق المؤلف

تاريخ النشر : 30 سبتمبر 2022

وأنت في شوارع مانهاتن بويري أو بروكلين، أو حتى في جادة جونسون في نيويورك ستشدك إبداعات أشهر فناني الرسم على جدران الشوارع ككريس ستين أو كيث هارينج وكثيرين غيرهما. وقد أصبحت هذه الرسومات مزارًا لعدد من السياح القادمين من حول العالم للاستمتاع بفنونها الإبداعية. في حين قد يراها البعض وخصوصًا بعض سكان هذه المناطق بأنها من التلوث البصري المشوه لمنظر الشوارع والمباني التي بها. وبعيدًا عن الاختلاف الذوقي في تقييم مثل هذه الأعمال الفنية، فإن هذا النوع من الفنون يتطلب مزيدًا من الدراسة حول إمكانية حمايته تحت قوانين حماية حقوق المؤلف، حيث إن هناك عدة تساؤلات حول هذا الأمر سنتطرق لأهمها في هذا المقال.


في البداية، لا شك أن الرسم على الجدران يشكل ثقافة مهمة تعود جذورها إلى عصور ما قبل التاريخ والعصور القديمة، حيث كانت تعرف بفنون الرسم أو النحت على الأسطح والجدران. فمن خلال الاكتشافات التاريخية حول العالم عثر الباحثون على كثير من هذه الفنون. ومنها على سبيل المثال، ما وجد في كهف لاسكو في فرنسا لصور مشاهد الصيد المنحوتة التي كان الهدف منها إحياء ذكرى انتصارات الصيادين في تلك العصور، باعتبارها طقوسًا ومعتقدات يرون فيها زيادة لنجاحاتهم وانتصاراتهم. أما في العصر الحديث وفي أواخر الستينات تحديدًا، فقد انطلقت في أحياء مدينة نيويورك الشعبية ذات الغالبية اللاتينية والأفريقية فنون الشوارع المعاصرة، والرسم على الجدران، وعرفت بـ "الجرافتي"، وانتشرت مع موسيقى الهيب هوب، حيث تلازمت تلك الفنون وتطورت في نفس الحقبة. 


ويغلب على فن الشوارع أو الرسم على الجدران أنه يتم دون إذن من ملاك الأماكن أو الجدران المرسوم عليها. وهنا يأتي تساؤل حول ما إذا كان للملكية الفكرية دور في حماية هذه الفنون من الاستغلال غير المشروع، كنسخها أو بيعها بيعا غير مشروع، أو تعديلها، أو إزالتها، أو إتلافها، أو نسبتها إلى غير صاحبها. فإذا تأكد أن هذه الفنون وضعت على جدر وأماكن دون موافقة أصحابها، فكيف يثبت لهؤلاء الفنانين حقٌّ في ذلك، مع أن عملهم في أساسه باطل؟ فمن القواعد المقررة شرعًا وقانونًا أن ما بني على باطل فهو باطل. وعلى الرغم من أنه لا يوجد في قوانين حقوق المؤلف ما يشترط تثبيت المصنف على وسيط مملوك، فهذا لا يعني إثبات الحق للفنانين في هذه المسألة. وذلك أن عدم نص نظام حماية حقوق المؤلف على ما يعالج هذه المسألة ليس دليلًا على إباحة الفعل وترتب الآثار القانونية عنه. لذا ينبغي النظر إلى المبادئ العامة والقوانين الأخرى ذات العلاقة للوصول إلى الحكم الصحيح. وهذا ما تم حينما قامت شركة   H&M في حملتها الإعلانية بإظهار أعمال الفنان جيسون الجدارية التي عملها على جدران ملعب شيريدان في بروكلين دون إذن منه. فطالب السيد جيسون عبر محاميه H&M بإيقاف الحملة لأنها عرضت عمله دون إذن مسبق منه. فردت H&M على ذلك برفع الأمر إلى المحكمة، مدعية أن عمل السيد جيسون قد نشأ بسلوك غير قانوني، ويعد تخريبا مخالفا، وعليه لا ينبغي أن يكون للسيد جيسون أي حقوق فيه، والمفترض أن يزال هذا العمل من الجدار. وجاء تسبيب H&M منطقيًّا وبحجة معتبرة، إلا أن ردود الفعل والدعم الذي حصل عليه السيد جيسون عبر وسائل التواصل الاجتماعي دعت H&M إلى إسقاط الشكوى. وبالتالي ليس لدينا حكمٌ مرشدٌ في القضية المشار إليها، ولكن كما يتضح هنا، فالإشكالية ينبغي أن تعالج من جوانب عدة، لا من جانب قوانين حقوق المؤلف.


ومن المسائل المتعلقة بهذا الفن أيضًا: ملكية العمل الفني إذا كان قد تم بطريقة مشروعة على جدار الغير. فهل تكون للفنان أم لصاحب الجدار؟ وفي هذه المسألة قضية شهيرة وقعت في مدينة نيويورك لجيرالد وولكوف، الذي كان يومًا ما راعيًا لفناني الجرافيتي عندما سمح لهم باستخدام مبانيه المهجورة في لونغ آيلاند سيتي المعروفة باسم Point Z باعتبارها لوحة قماشية للرسم عليها لمدة 20 عامًا، حيث رسم الفنانون من جميع أنحاء العالم على تلك المباني، وقدم الزائرون للاستمتاع بهذا المعرض الفريد في جزء منسي من المدينة بفضل معرض الكتابة على الجدران. فأدى ذلك إلى ارتفاع قيمة الممتلكات العقارية في هذا الحي، بفضل تلك الشهرة التي حصل عليها، فقرر وولكوف تحويل مستودعاته إلى شقق سكنية. وفي عام 2013م قام المطور بتبييض المباني ومسح الرسومات، وسبب ذلك إحباطًا كبيرًا لفناني الجرافيتي في هذا المكان، وجعلهم يرفعون دعوى قضائية على المطور. وبعد سنوات من التقاضي وتحديدًا في عام 2020م اعتبر القاضي تصرف وولكوف مبنيًا على سوء نية، وأصدر حكمًا بمنح 150 ألف دولار لكل عمل من 45 عملًا في المكان لتعويضهم، وبإجمالي 6.75 مليون دولار، وعد ذلك الحكم نصرا تاريخيا لفناني الشوارع.


وبعيدًا عن الحجج والنقاشات والمسائل الفرعية المتعلقة بهذا الفن، يمكن القول بأن المنطقي أن يكون الأصل في الرسم على الجدار إذا تم بشكل غير قانوني وعلى ملكية الغير ترجيح مصلحة المالك على منتج هذه الأعمال الفنية. فبناء عليه، يجوز لمالك الجدار إزالة الرسم منه. وإذا كان مالك الجدار يرغب في الاستفادة مما رسم على جداره، ففي هذه الحالة يتم الاتفاق بين الرسام ومالك الجدار على تقاسم معين للحقوق المالية الناتجة عن هذا العمل الفني، أو يلجؤون في حالة عدم الوصول لاتفاق معين للقضاء للنظر في التعويضات العادلة. وأما إذا كان العمل قد تم بإذن من مالك الجدار، ففي هذه الحالة تكون الحقوق المالية حسب اتفاقهما. وإن لم يكن بينهما اتفاق، فينظر في القرائن المصاحبة للإذن باستخدام الجدار للرسم والظروف المتعلقة به، وبناء على ذلك يقدر الأمر من حيث الحقوق المالية. فهذا الاقتراح حول التعامل مع حالات الرسم على الشوارع نرى أنه متوافق مع المنطق والشريعة. 


وختامًا، مثل هذه المسائل تتطلب من واضعي السياسات والمشرعين على المستويات الوطنية والدولية العمل على أن تستوعب الأنظمة مثل هذه الإشكاليات في حق المؤلف، مع التوجه العام إلى تشجيع هؤلاء الفنانين على نشر إبداعاتهم، وتطوير هذه الفنون، خصوصًا مع تطور مفاهيم الوسائط التي تعرض عليها الأعمال الأدبية والفنية ووجود أنواع جديدة منها.  

التصنيف : حق المؤلف
author فن رسوم الشوارع والكتابة على الجدران وحماية حق المؤلف

التعليقات (2)